الصحة النفسية

الاكتئاب الموسمي: كيف تؤثر الفصول على كيمياء الدماغ؟

هل تشعر بحزن مفاجئ مع بداية الخريف؟ هل تجد صعوبة في مغادرة سريرك في صباحات الشتاء الباردة؟ إذا كانت إجابتك بنعم، فربما تكون واحداً من الملايين الذين يعانون من الاكتئاب الموسمي. في هذا المقال، ستعرف على أعماق كيمياء الدماغ لنفهم لماذا تتأثر حالتنا النفسية بتغير الفصول، وكيف يمكننا التغلب على هذا التحدي.

ما هو الاكتئاب الموسمي؟

يُعرف الاكتئاب الموسمي طبيًا بالاضطراب العاطفي الموسمي (SAD)، وهو نوع من الاكتئاب يأتي ويذهب مع تغير فصول السنة. في الغالب، تبدأ الأعراض في الظهور مع قصر ساعات النهار في أواخر الخريف، وتصل إلى ذروتها في الشتاء، لتبدأ في التلاشي تدريجياً مع إشراقة الربيع.

لا يعتبر الاكتئاب الموسمي مجرد تقلب مزاج.بسيط، بل هو خلل كيميائي حقيقي يحدث نتيجة عدم قدرة الجسم على التكيف مع نقص الضوء الطبيعي. ورغم أن النوع الشتوي هو الأكثر شيوعاً، إلا أن هناك فئة نادرة تعاني منه في فصل الصيف، مما يجعل فهم طبيعة هذا الاضطراب أمراً حيوياً للجميع.

كيف يغير نقص الشمس كيمياء الدماغ؟

يكمن السبب الرئيسي وراء الاكتئاب الموسمي في كيفية معالجة الدماغ للضوء. عندما يقل تعرضنا لأشعة الشمس، يحدث خلل في مستويات الناقلات العصبية. أولاً، ينخفض هرمون السعادة أو السيروتونين، وهو المسؤول عن استقرار المزاج. هذا الانخفاض هو ما يجعلك تشعر بالعصبية واليأس دون سبب واضح.

ثانياً، يؤثر الاكتئاب الموسمي على هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم. في الشتاء، ينتج الجسم كميات فائضة من هذا الهرمون بسبب الظلام الطويل، مما يجعلك تشعر بالخمول والرغبة في النوم طوال النهار. هذا التضارب الكيميائي هو ما يخلق حالة الاكتئاب التي يشكو منها المرضى.

أعراض الاكتئاب الموسمي: علامات لا تتجاهلها

تختلف أعراض الاكتئاب الموسمي قليلاً عن الاكتئاب التقليدي. العلامة الأبرز هي الرغبة الشديدة في تناول الكربوهيدرات والسكريات، مما يؤدي غالباً إلى زيادة الوزن في الشتاء. كما يشعر المصاب بـ ثقل في الأطراف، وكأن جسده أصبح يزن أطنانًا، مما يجعل القيام بالمهام اليومية البسيطة عبئاً كبيراً.

إضافة إلى ذلك، يميل مريض الاكتئاب الموسمي إلى العزلة الاجتماعية التامة، حيث يفقد الرغبة في التواصل مع الأصدقاء أو ممارسة الهوايات. إذا لاحظت أنك تصبح أكثر حساسية تجاه الرفض، أو أن طاقتك تنفد بمجرد حلول المساء، فقد تكون هذه إشارات قوية على تأثرك بالتغير الفصلي.

كل إنسان يمتلك ساعة بيولوجية داخلية تنظم دورة النوم واليقظة. في حالة الاكتئاب الموسمي، يحدث ارتباك لهذه الساعة. نقص ضوء الشمس الصباحي يمنع الدماغ من إدراك أن النهار قد بدأ، مما يبقيك في حالة تشبه النوم حتى وأنت تمارس عملك.

هذا الاضطراب في الساعة البيولوجية لا يؤثر فقط على النوم، بل يمتد ليشمل عملية الهضم وضغط الدم ودرجة حرارة الجسم. لذلك، فإن علاج الاكتئاب الموسمي يعتمد بشكل أساسي على محاولة إعادة ضبط هذه الساعة من خلال التعرض للضوء القوي في الساعات الأولى من الصباح.

دور فيتامين د في مواجهة الاكتئاب الموسمي

يُطلق على فيتامين د اسم فيتامين أشعة الشمس، وهو يلعب دوراً محورياً في الوقاية من الاكتئاب الموسمي. يعمل هذا الفيتامين كمنظم لإنتاج السيروتونين والدوبامين في الدماغ. وبما أننا لا نحصل على ما يكفي من الشمس في الشتاء، فإن مستويات هذا الفيتامين تنخفض بشدة.

أثبتت الدراسات أن الأشخاص الذين يعانون من نقص فيتامين د هم الأكثر عرضة للإصابة بـ الاكتئاب الموسمي. لذا، غالباً ما ينصح الأطباء بإجراء فحص دم مع بداية الخريف، وتناول المكملات الغذائية المناسبة لتعويض هذا النقص، مما يساهم بشكل كبير في تحسين الحالة المزاجية وتقليل حدة الأعراض.

طرق علاج الاكتئاب الموسمي الفعالة

لحسن الحظ، يعتبر الاكتئاب الموسمي من أكثر الاضطرابات النفسية استجابة للعلاج. الطريقة الأكثر شهرة هي العلاج بالضوء، حيث يجلس المريض في ضوء الشمس لمدة 30 دقيقة يومياً. هذا الضوء يحفز الدماغ على تقليل إنتاج الميلاتونين وزيادة السيروتونين، مما يحسن المزاج بشكل فوري تقريباً.

بالإضافة للضوء، يساعد العلاج السلوكي المعرفي في تغيير نظرة الشخص لفصل الشتاء، وتحويله من فصل كئيب إلى وقت للراحة والنشاط الداخلي. في بعض الحالات، قد يصف الأطباء أدوية منظمة للمزاج لفترة مؤقتة حتى انتهاء الموسم، وذلك لضمان استمرار المريض في ممارسة حياته بشكل طبيعي.

نصائح ذهبية للتعايش مع الاكتئاب الموسمي

إذا كنت ترغب في تقليل تأثير الاكتئاب الموسمي على حياتك، ابدأ بجعل بيئتك أكثر إشراقاً. افتح الستائر فور استيقاظك، واحرص على المشي لمسافة قصيرة في وقت الظهيرة عندما تكون الشمس في أقصى سطوعها.

تُعد الرياضة أيضاً سلاحاً فتاكاً ضد الاكتئاب، لأنها تفرز الإندورفين الذي يحسن المزاج.

اهتم بنظامك الغذائي وحاول مقاومة إغراء السكريات المعقدة؛ استبدلها بالبروتينات والخضروات التي تمدك بطاقة مستدامة.

تذكر دائماً أن الاكتئاب الموسمي هو حالة مؤقتة، وأن فهمك لطبيعة كيمياء دماغك هو الخطوة الأولى والأساسية نحو التعافي والعودة للاستمتاع بكل فصول السنة.


اكتشاف المزيد من Be Well Globe

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد