
على الرغم من حملات التوعية الواسعة والمبادرات العالمية التي تشيد بفوائد الرضاعة الطبيعية الحصرية في الشهور الأولى من عمر الطفل، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن 40% فقط من الأطفال تحت سن 6 أشهر يحصلون على رضاعة طبيعية حصرية.
يمكننا القول أن العديد من الأمهات يقعن في فخ الاعتقاد بأن الرضاعة الطبيعية وحدها غير كافية لإشباع الطفل، أو ربما لازلن يواجهن صعوبة في معرفة الطريقة الصحيحة للرضاعة.
في هذا المقال، نقدم لكِ دليلاً واضحًا وشاملًا حول الرضاعة الطبيعية: آلية الرضاعة الطبيعية ، فوائدها لكِ ولطفلك، الطريقة الصحيحة للرضاعة، علامات الشبع عند الرضيع ، وأهم النصائح التي قد تساعدك أثناء فترة الرضاعة.
- مقدمة عن الرضاعة الطبيعية
- كيفية ادرار اللبن من جسم الام
- فوائد الرضاعة الطبيعية للأم والطفل
- الطريقة الصحيحة للرضاعة الطبيعية
- علامات الشبع عند الطفل
- أهم النصائح للأم المرضعة
- خاتمة
- المراجع
الرضاعة الطبيعية
الرضاعة الطبيعية هي عملية تغذية الرضيع بالحليب الذي يُنتجه جسم الأم، حيث يلتقم الطفل حلمة الثدي ويبدأ في المصّ، ما يُحفّز نزول الحليب وتغذية الرضيع.
يُفضَّل بدء الرضاعة بعد الولادة مباشرة، فيما يُعرف بملامسة الجلد للجلد (Skin to Skin Contact)، حيث يُوضع المولود مباشرة على صدر أمه، مما يُعزز شعوره بالأمان والارتباط بها.
يُنتج الثدي في البداية، شكلاً أوليًا من الحليب يُعرف باللبأ أو “لبن السرسوب”، وهو سائل كثيف غني بالبروتينات والأجسام المضادة التي تحمي المولود من العدوى.
يتحول اللبأ إلى حليب ناضج خلال 3 إلى 5 أيام بعد الولادة، قد يفقد الطفل خلالها القليل من وزنه وهو أمر طبيعي سرعان ما يستعيده بمجرد انتظام الرضاعة ونزول الحليب بكميات كافية.
آلية الرضاعة الطبيعية
متى وكيف يعمل جسد الأم على إنتاج الحليب؟
قد يُدهشك معرفة أن عملية إنتاج الحليب تبدأ في وقت مبكر من الحمل، تحديداً في الأسبوع السادس عشر، وتستمر إلى ما بعد الولادة بأيام قليلة.
خلال هذه الفترة، تنمو قنوات الحليب من حيث العدد والحجم، نتيجة ارتفاع هرمونيّ الاستروجين والبروجستيرون، مما يؤدي إلى امتلاء الثديين، وتغيّر لون الحلمات إلى اللون الأغمق، مع اتساع الهالة المحيطة بهما.
يبدأ الجسم في هذه المرحلة بإنتاج اللبأ، وهو الحليب الأول الغني بالعناصر الغذائية والمضادات الحيوية الطبيعية.
تستمر عملية الرضاعة الطبيعية بعد الولادة بدعم من الطفل نفسه، من خلال بعض الخطوات الحيوية، على النحو الآتي:
- عندما يلتقم الرضيع حلمة الثدي ويبدأ في المصّ، يتم تُحفيز أعصاب حسّية معينة في الثدي، فتقوم بإرسال إشارات إلى الدماغ تؤدي إلى إفراز هرمونين رئيسيين هما: البرولاكتين والأوكسيتوسين…. ما هو دورهما؟
- يقوم البرولاكتين بتحفيز الحويصلات (وهي أكياس صغيرة داخل الثدي) لإنتاج الحليب.
- بينما يؤدي الأوكسيتوسين إلى انقباض هذه الحويصلات، دافعًا الحليب نحو قنوات الحليب وصولًا إلى الحلمة، حيث يتمكّن الطفل من تناوله.
والآن ما هي فوائد الرضاعة الطبيعية للطفل و الأم؟
فوائد الرضاعة الطبيعية للطفل:
تُقدم الرضاعة الطبيعية العديد من الفوائد المذهلة للطفل؛ فهي تعزز مناعته، تدعم نموه المعرفيّ، وتقلل من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة. كما تعزز الرضاعة الطبيعية عادات الأكل الصحية وتقلل من خطر الإصابة بالسمنة والسرطان.
تعزيز المناعة وتقليل خطر العدوى:
يحتوي حليب الأم على تركيز عالٍ من الأجسام المضادة، خاصة الجلوبيولين المناعي (IgA)، إلى جانب مركّبات مناعية أخرى تُساهم في تقوية جهاز مناعة الرضيع.
الأطفال الذين يتلقّون رضاعة طبيعية يكونون أقل عرضة للإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي، أمراض الجهاز الهضمي، التهابات الأذن، وغيرها من العدوى الشائعة في مرحلة الطفولة.
الوقاية من الحساسية والربو:
تساهم الرضاعة الطبيعية في تقليل خطر الإصابة بالحساسية والربو، خاصة لدى الأطفال الذين لديهم تاريخ عائلي لهذه الحالات، وذلك كما أشارت بعض الدراسات.
الوقاية من متلازمة موت الرضع المفاجئ (SIDS):
ترتبط الرضاعة الطبيعية بانخفاض خطر الإصابة بمتلازمة موت الرضيع المفاجئ (SIDS)، بحسب ما أشارت إليه عدة دراسات علمية.
دعم النمو العاطفي:
تعزز الرضاعة الطبيعية الترابط العاطفي بين الأم والطفل، وتوفر له الشعور بالأمان والحب، مما يدعم نموه النفسي والاجتماعي السليم.
سهولة الهضم:
يسهل هضم حليب الأم مقارنة بحليب الأطفال الصناعي، مما يقلل من مشاكل الجهاز الهضمي مثل الإمساك والإسهال.
الوقاية من الحساسية:
تقلل الرضاعة الطبيعية من خطر الإصابة بالحساسية بأنواعها، مثل حساسية الطعام وحساسية الجلد.
توفير العناصر الغذائية الضرورية:
يتميز حليب الأم باحتواءه على جميع العناصر الغذائية التي يحتاجها الطفل في الأشهر الأولى من عمره، بما في ذلك البروتينات والدهون والكربوهيدرات والفيتامينات والمعادن، ليس هذا وحسب، بل تتغير تركيبته لتلبية احتياجات الطفل حسب عمره.
تطور صحي للأسنان والفكين:
تساعد الرضاعة الطبيعية على تطور الفم والفكين بشكل صحيح، مما يقلل من مشاكل الأسنان في المستقبل.
فوائد الرضاعة الطبيعية للأم :
قد تظنين أن فوائد الرضاعة الطبيعية تقتصر على الرضيع فقط، ولكن على العكس من ذلك تماماً، فهي تعود على الأم أيضًا بفوائد صحية ونفسية عديدة، نذكر لكِ أهمها فيما يلي:
المساعدة في فقدان الوزن:
تحرق الرضاعة الطبيعية المزيد من السعرات الحرارية، مما يساعد الأمهات على فقدان الوزن الزائد بعد الولادة بشكل أسرع.
انخفاض خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان:
تشير الدراسات إلى أن الرضاعة الطبيعية تُقلّل من خطر الإصابة بسرطان الثدي وسرطان المبيض.
الوقاية من مرض السكري من النوع الثاني:
قد أظهرت الأبحاث أن الأمهات المرضعات أقل عرضة لخطر الإصابة بمرض السكري من النوع 2.
تعزيز الرابطة بين الأم والطفل:
يُعرف هرمون الأوكسيتوسين، وهو الذي يُفرز أثناء الرضاعة ب “هرمون الحب”، فهو هرمون مرتبط بمشاعر الحب والتعلق، مما يعزز الارتباط العاطفي بين الأم وطفلها.
الوقاية من اكتئاب ما بعد الولادة:
قد تُساهم الرضاعة الطبيعية في تقليل خطر الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة.
حليب الأم لا يحتاج إلى تحضير أو تسخين، فهو دائمًا متوفّر وفي درجة الحرارة المناسبة. كما تُقلّل الرضاعة الطبيعية من الحاجة لشراء الحليب الصناعي والزجاجات ومعدات التعقيم، ما يوفر جهدًا ومالًا.
الطريقة الصحيحة للرضاعة الطبيعية:
كيف تتأكدين أن الرضيع يرضع بشكل سليم؟
لكي تكون الرضاعة الطبيعية مريحة وفعالة، من المهم أن يلتقم الرضيع الثدي بطريقة صحيحة. التعلّق السليم لا يضمن فقط حصول الطفل على كفايته من الحليب، بل يقيكِ أيضًا من ألم الحلمات ومشاكل الثدي. إليكِ العلامات التي تدل على أن طفلك يرضع بالشكل الصحيح:
- يفتح الرضيع فمه على اتساعه ويغطي جزءًا كبيرًا من الهالة، وليس الحلمة فقط.
- يلامس ذقنه ثديك، بينما تبقى شفته السفلية مقلوبة للخارج.
- أنفه قريب من الثدي لكنه يتنفس بسهولة.
- لا تشعرين بألم مستمر أثناء الرضاعة – فقط شد بسيط في البداية.
- تلاحظين حركات منتظمة في الفك وصوت بلع هادئ.
- تظهر لكِ الهالة بشكل غير متساوٍ، إذ يغطي الطفل الجزء السفلي منها أكثر من العلوي.
ما هي العلامات التي تدل على أن الرضيع قد حصل على كفايته من الحليب؟
هناك علامات أولية وأخرى تابعة لها تدل على شبع الرضيع وحصوله على كفايته من الحليب
علامات الشبع الأولية عند الرضيع:
- في البداية يقوم الطفل ببعض المصّات السريعة يتبعها مصّات أطول وأبطأ مع البلع المنتظم، ثم يتوقف مؤقتًا لالتقاط أنفاسه.
- يمكن سماع صوت البلع بوضوح، وأحيانًا رؤية حركة الحلق أثناء ذلك.
- تكون خدود الطفل مستديرة وليست مجوفة أثناء الرضاعة.
- يبدو الطفل هادئًا ومسترخيًا أثناء الرضاعة، دون توتر أو انزعاج.
- يترك الطفل الثدي من تلقاء نفسه عند الانتهاء، دون الحاجة لسحب الحلمة.
- يظهر فمه رطبًا بعد الرضاعة.
- تبدو علامات الرضا على الرضيع بعد معظم الرضعات.
- يصبح الثدي أكثر ليونة بعد الرضاعة.
- قد تشعرين بالنعاس والاسترخاء بعد الرضاعة.
علامات أخرى تدل على تغذية الطفل بشكل جيد:
- زيادة وزن الطفل بشكل منتظم بعد أول أسبوعين – من الطبيعي أن يفقد الطفل بعضاً من وزنه عند الولادة في أول أسبوعين.
- يبدو الصغير بصحة جيدة.
- بدءًا من اليوم الخامس من عمر الرضيع،يحتاج الصغير إلى تغيير الحفاضات المبللة 6 مرات على الأقل كل 24 ساعة. خلال الـ 48 ساعة الأولى، من المرجح أن يكون لدى طفلك حفاضتان أو ثلاث حفاضات مبللة فقط.
مع ذلك تذكّري دائمًا، أن كل طفل يُعبر عن الشبع بطريقته الخاصة، راقبي تلك العلامات، وثقي بإحساسك. فالحب والاهتمام الذي تقدمينه كل يوم هو الغذاء الأهم على الإطلاق.
أهم النصائح للأم المرضعة
أخيرًا وليس آخرًا، إليكِ هذه النصائح للاعتناء بنفسك أثناء هذه المرحلة الهامة من حياتك.
اعتني بتغذيتك:
تناول وجبات متوازنة غنية بالبروتين، والخضروات، والفواكه، وشرب كميات كافية من الماء؛ يدعم صحتك وينعكس مباشرة على جودة الحليب.
لا تؤجلي موعد الرضعات:
كلما أرضعتِ طفلك عند الطلب، كلما زاد إدرار الحليب بشكل طبيعي. استجيبي لإشارات الجوع مبكرًا، مثل مص الأصابع أو تحريك الرأس.
اختاري وضعية مريحة:
الوضعية المناسبة تقلل من آلام الظهر والحلمات، وتساعد الطفل على الرضاعة بفعالية. لذا لا تترددي في استخدام وسادة دعم أو الجلوس في مكان هادئ.
اعتني بحلماتك:
جففي الحلمة بلطف بعد كل رضعة، واسمحي لها بالتهوية، واستخدمي كريمًا مخصصًا في حال وجود تشققات.
لا تقارني نفسك بغيرك:
إنها أهم نصيحة على الإطلاق، فلكل أُم تجربتها الخاصة، وما يصلح لطفل آخر قد لا يناسب طفلك.
اطلبي المساعدة:
لا بأس بأن تطلبي المساعدة أو أن تحصلي على قسط من الراحة. أم مرتاحة تعني طفلاً أكثر راحة.
استشيري عند الحاجة:
إذا واجهتِ أي صعوبة في الرضاعة أو لاحظتِ علامات غير معتادة على طفلك، فلا تترددي في مراجعة أخصائية رضاعة أو طبيب الأطفال.
في النهاية عزيزتي،
الرضاعة الطبيعية ليست فقط مجرّد وسيلة لتغذية الطفل، بل هي معجزة الهية ورابطة فطرية عميقة تُعزز صحة الطفل، وتمنح الأُم شعورًا لا مثيل له. فهي الخيار الأقرب للطبيعة والأقوى أثرًا. حين تفهمين كيف يعمل جسدك، وتثقين بإشارات طفلك، تصبح الرضاعة رحلة حب متبادلة تستطيعين من خلالها أن تمنحي صغيرك أفضل بداية في الحياة.
المراجع
Breastfeeding: is my baby getting enough milk?
بقلم د نهى الشوربجي